السدود الإثيوبية مخطط قديم فى طرح جديد



السدود الإثيوبية لها خلفية تاريخية بدأت بعد اتفاق مصر والسودان على إنشاء السد العالى، حيث أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية بعثة من مكتب استصلاح الأراضى الأمريكى فى ذلك الوقت لدراسة إنشاء سدود ومشاريع تنمية على النيل الأزرق بإثيوبيا، رداً على قيام مصر والسودان بمحاولة تحقيق أمنهما المائى، وانتهت هذه البعثة من إعداد خطة متكاملة لتطوير حوض النيل الأزرق تم نشرها عام ١٩٦٤، وتتضمن عدد ٣٣ منشأ مائياً على النيل الأزرق وروافده ومشروعات زراعات مروية فى مساحة نصف مليون هكتار تبلغ احتياجاتها المائية حوالى ٥ مليارات متر مكعب سنوياً. وتضمنت المنشآت المائية المقترحة عدد ٤ سدود كبرى على النيل الأزرق، وهى سد كارادوبى، وسد بيكوأبو، وسد مندايا، وسد بوردر «الحدود».
كانت إثيوبيا تعكف سراً على تحديث وتطوير هذه الدراسات انتظاراً للوقت المناسب للتنفيذ، ففى عام ١٩٩٨ انتهت إثيوبيا من إعادة وتحديث دراسة تلك المشروعات من خلال مكتب استشارى فرنسى «بيكوم»، ثم تلا ذلك عدة دراسات لمكاتب استشارية هولندية انتهت إلى مضاعفة سعة السدود الأربعة الكبرى المقترحة على النيل الأزرق لتصل إلى حوالى ١٥٠ مليار متر مكعب ـ أى ما يقرب من ثلاثة أمثال التصرف السنوى للنيل الأزرق.
وبعد قيام ثورة يناير المصرية وبعد زيارة الوفد الشعبى المصرى إثيوبيا بأسابيع قليلة، قامت القيادة الإثيوبية فى حفل إعلامى دولى كبير بوضع حجر الأساس لأحد السدود الأربعة الكبرى، وهو سد «الحدود» على مسافة ٤٠ كيلومتراً من الحدود السودانية. وتم تغيير اسم السد من الحدود إلى سد «إكس» ثم تغير مرة ثانية إلى سد «الألفية» ثم أخيراً إلى سد «النهضة» ولكن بأبعاد تبلغ خمسة أضعاف أبعاد سد الحدود، حيث كانت السعة التصميمية لسد الحدود ١٤.٥ مليار متر مكعب، بينما السعة المعلنة لسد النهضة ٧٣ مليار متر مكعب، وينتج ٥٢٥٠ ميجاوات من الكهرباء.
وتمت تصميمات هذا السد فى سرية تامة دون علم كل من مصر والسودان بل دون علم مبادرة حوض النيل. لماذا هذه السرية المريبة فى التصميم والإعداد لهذا السد؟ ولماذا هذا الاستغلال السيئ لظروف مصر الداخلية للإعلان ووضع حجر أساس السد عقب قيام الثورة المصرية وأثناء انشغالنا بتنظيم أمورنا الداخلية؟ وأين احترام الاتفاقيات القديمة القائمة وقواعد القانون الدولى بشأن الإخطار المسبق عن المشروعات ذات التأثير المحتمل على الدول المتشاطئة فى الأنهار الدولية، خاصة مشاريع السدود؟ وهل هذه سياسة إثيوبية جديدة لفرض الأمر الواقع على دولة بهامة وقامة مصر على الرغم من ظروفها الداخلية الصعبة المؤقتة؟


السدود الإثيوبية تمثل استراتيجية إثيوبية قومية قديمة للتحكم فى النيل الأزرق، وكلما اهتزت العلاقات بين البلدين كانت إثيوبيا على مدى العصور تلوح بها لمصر مهددة بأنها تستطيع تحويل مجرى النهر وحرمان مصر من المياه. وحسبما جاء فى دراسة بريطانية حديثة للدكتور هارى فيرهوفن نشرتها منظمة شاثام هاوس فى يونيو ٢٠١١ فإن هذه الاستراتيجية القديمة تم تطويرها بهدف إحداث نقلة اقتصادية لدولة إثيوبيا من موقعها الحالى ضمن أشد دول العالم فقراً إلى مصاف الدول متوسطة الدخل بحلول فترة ٢٠٢٠ - ٢٠٢٥، وقد شارك العديد من الدول الأوروبية وبعض المنظمات الدولية فى تحديث وتهذيب هذه الاستراتيجية ووضعها فى إطار اقتصادى ذات طابع استثمارى جذاب.
أصبحت الاستراتيجية تشمل إقامة العديد من السدود الضخمة على النيل الأزرق والأنهار الأخرى الواقعة فى إثيوبيا للتوسعات الزراعية المروية ولإنتاج الطاقة الكهرومائية النظيفة للاستهلاك المحلى وللتصدير إلى دول الجوار ـ جيبوتى والصومال شرقاً وكينيا وأوغندا جنوباً وشمال وجنوب السودان غرباً ومصر شمالاً ـ بل وهناك تصورات بتصدير هذه الطاقة إلى أوروبا عبر البوابة المصرية. وتقدر مبدئياً كميات الطاقة الكهرومائية التى يمكن توليدها على الأنهار المختلفة فى إثيوبيا بحوالى ٤٥٠٠٠ ميجاوات منها ٢٠٠٠٠ ميجاوات من النيل الأزرق وروافده.
وكمثال على اقتصاديات هذه الاستراتيجية تشير دراسة أمريكية قام بها الدكتور مارك جيولاند من جامعة ديوك الأمريكية فى نوفمبر ٢٠١٠ إلى أن صافى القيمة الحاضرة للعائد الاقتصادى المقدر لأحد هذه السدود وهو سد مندايا الذى تبلغ سعته حوالى ٥٠ مليار متر مكعب وينتج ٢٠٠٠ ميجاوات من الكهرباء يصل إلى ٧ مليارات دولار من خلال إنتاج الكهرباء وتصديرها إلى دول الجوار، وسوف تبلغ أرباح سد النهضة أضعاف هذا المبلغ، نظراً لأنه يفوق سد مندايا كثيراً فى السعة وفى الطاقة الكهربية المنتجة. وجدير بالذكر أنه من خلال مبادرة حوض النيل كان قد تم الاتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا من خلال مشروع تجارة الطاقة بالنيل الشرقى على أن تحصل السودان على ١٢٠٠ ميجاوات من الطاقة المولدة من السدود الإثيوبية ومصر على ٢٠٠٠ ميجاوات والباقى للاستهلاك المحلى الإثيوبى ومن العجيب أنه كان قد تم الاتفاق على استيراد الكهرباء من إثيوبيا دون دراسة الآثار السلبية المحتملة لهذه السدود على مصر.


ولا تنحصر الفوائد المباشرة لإثيوبيا من السدود فقط فى التوسعات الزراعية المروية لزيادة إنتاج الغذاء، وفى إنتاج الطاقة الكهربائية للاستهلاك المحلى وللتنمية الصناعية وللتصدير لتوفير مصدر مالى مستديم لزيادة الدخل القومى، بل إن برنامج السدود الإثيوبية له أهداف عديدة أخرى، منها إعطاء دور الزعامة لإثيوبيا فى منطقة القرن الأفريقى وحوض النيل، ولتعزيز انفصال جنوب السودان، وربط اقتصاده بدول أخرى غير الدولة الأم السودان، واحتكار الطاقة الكهربية فى المنطقة خاصة السودان شمالاً وجنوباً، ويساعد إثيوبيا فى توفير التمويل والخبرات الفنية لتنفيذ هذا المخطط العديد من القوى الدولية والجهات المانحة، منها البنك الدولى والصين وإيطاليا والنرويج.
وهناك بعض الفوائد التى قد تعود على دولتى المصب من السدود الإثيوبية تشمل تقليل المواد الرسوبية الواصلة إلى السودان ومصر، والمستفيد الأول من ذلك هو الشقيقة السودان، حيث تمثل المواد الرسوبية مشكلة ملحة لها تقلل من أعمار سدودها وتتطلب تكاليف عالية لصيانتها وتشغيلها، أما قيمة هذه الفائدة لمصر فهى محدودة نسبياً، نظراً لأن معدل الأطماء فى بحيرة ناصر أقل من المعدلات التصميمية للسد العالى، ولا يمثل مشكلة حقيقية لمصر. وثانية هذه الفوائد توليد وتصدير الكهرباء لكل من مصر والسودان.
وأيضاً قد تكون هذه الفائدة مهمة للسودان خاصة بعد انفصال الجنوب، ومعه كميات كبيرة من احتياطى بترول البلاد، المصدر الرئيسى للطاقة. ولكن بالنسبة لمصر فإن تكاليف هذه الكهرباء مقاربة لتكاليف الكهرباء المولدة من محطات الغاز التى يتم إنشاؤها فى مصر واعتماداً على مصادر الطاقة المحلية. ونشير هنا إلى أهمية الأخذ فى الاعتبار مقومات الأمن القومى فى حالة اعتماد مصر على استيراد الطاقة من إثيوبيا والمنقولة عبر السودان، فى ظل عدم الاستقرار فى منطقة القرن الأفريقية. وفائدة ثالثة لهذه السدود هى تنظيم تصرفات النيل الأزرق على مدار العام بدلاً من تدفقه الحالى فقط خلال موسم الفيضان، وذلك يفيد أيضاً الشقيقة السودان فى أراضيها الزراعية بالمنطقة الشرقية ويتيح لها الزراعات الدائمة طوال العام بدلاً من الزراعات الموسمية الحالية. ولكن هذه الميزة النسبية لا تفيد مصر على الإطلاق، نظراً لوجود السد العالى الذى ينظم تصرفات النهر فى مصر على مدار العام.
بل إن هذه الفائدة قد تضر مصر مائياً إذا أدت إلى زيادة مزارعى السودان فى هذه المنطقة من استخداماتهم المائية. وآخر الفوائد التى يتحدث عنها الجانب الإثيوبى أن نقل التخزين من بحيرة السد العالى فى مصر إلى الهضبة الإثيوبية يوفر ٥ مليارات متر مكعب من فواقد البخر من بحيرة ناصر سنوياً. وهذه المقولة فيها الكثير من المبالغة، حيث أفادت الدراسات المصرية فى هذا الشأن بأن أقصى توفير فى هذه الفواقد إذا ما تم التخزين فى الهضبة الإثيوبية بدلاً من بحيرة ناصر يقل عن ٢ مليار متر مكعب سنوياً، ومن المتوقع فى حالة بناء السدود الإثيوبية أن تصبح كميات فواقد المياه من بحيرات السدود الإثيوبية ومن بحيرة ناصر معاً أكبر من كميات الفواقد الحالية من بحيرة ناصر. يتضح مما سبق أن فوائد هذه السدود ليست حيوية لمصر، ولكن هناك، يقيناً، بعض الفوائد المباشرة التى سوف تعود على الشقيقة السودان.
هناك تساؤلات عديدة فى الشارع المصرى حول السدود الإثيوبية وخلط شديد بين ما يسمعونه من السياسيين فى إثيوبيا وفى مصر وفى السودان وبين ما يسمعونه من الفنيين ومن آخرين من المهتمين بهذه القضية التى تمس مباشرة الأمن القومى المصرى. فنجد فى إثيوبيا المسؤولين يؤكدون أن مخطط السدود يشمل السدود الأربعة الكبرى على النيل الأزرق وليس سد النهضة فقط، ويؤكدون أيضاً أن سد النهضة ليس له آثار سلبية على مصر أو السودان، وأن فوائده ستعم البلاد الثلاثة.
وفى السودان أعلنت القيادة السياسية بأن سد النهضة مفيد للسودان وجاء على لسان بعض المسؤولين هناك تصريحات فيها الكثير من المبالغة بأن السد سيزيد من إيراد النهر، مما يوضح التوجه السودانى فى هذا الشأن. وفى مصر سمعنا من الحكومة السابقة وكذلك الحالية أن سد النهضة قد يمثل محوراً للتنمية بين الدول الثلاث، وأن الدول الثلاث تدرس إيجابيات وسلبيات السد للتعاون معاً فى تعظيم إيجابياته وتقليل سلبياته.
وذهب بعض المهتمين المصريين وغيرهم إلى أن السد لن تكون له آثار سلبية إذا ما تم استخدامه لتوليد الطاقة فقط ولم تتم عليه توسعات زراعية، بل جزم البعض بأن السد لن يتم استخدامه للزراعات المروية على الرغم من إعلان الحكومة الإثيوبية عن زراعة نصف مليون هكتار على مياهه. وأود أن أختم هذا المقال بأن أوضح أن الحقائق الفنية والعلمية المؤكدة والبعيدة عن التعبيرات السياسية المطاطة ـ تؤكد أن هذا السد وبقية السدود الإثيوبية ستكون لها آثار سلبية كبيرة على تدفق نهر النيل وعلى حصتى مصر والسودان المائية!! وهذه الحقائق الفنية ستكون موضوع المقال المقبل إن شاء الله!!

 بقلم : د. محمد نصر الدين علام


وزير الموارد المائية والري المصري سابقاً  وكان قبل توليه الوزارة، أستاذ ورئيس قسم الري والهيدروليكا بجامعة القاهرة، وهو عضو مجلس وزراء شئون المياه في دول حوض النيل

  • بكالوريوس: هندسة مدنية من جامعة القاهرة .
  • ماجستير: التخطيط وشبكات الصرف الصحي من معهد مساتشوستس للتكنولوجيا.
  • دكتوراه: التخطيط وشبكات الصرف الصحي من معهد مساتشوستس للتكنولوجيا.
  • أستاذ ورئيس قسم الري والهيدروليكا جامعة القاهرة.